قوانين ومراسيم : تعديل قانون شركات الصرافة بتشديد عقوبة المخالفين بالحبس حتى 3 سنوات ** قرارات : قرار وزارة الزراعة بخصوص شروط استيراد مادة البطاطا من لبنان ** الاخبار : بيان اتحاد غرف التجارة السورية ** معارض ومؤتمرات : المعرض الدولي الصيني للاستيراد 2018 ** دعوات وتبليغات : تحديد الحد الأدنى لقيم كافة المستوردات التي لها مثيل منتج محليا ** غرفة تجارة حلب ** الاستثمار في جمهورية العراق ** شركات تشيكية مصنعة لمادة الحليب المجفف ** مجلس الاعمال السوري الايراني **
اخبار واحداث
مذكرة الاتحاد حول تصوّر عن العمل الاقتصادي في سورية

تصوّر عن العمل الاقتصادي في سورية

 

 

(\\\" حياة الشام بزراعته, ثم بصناعته وتجارته \\\")

على الرغم من بساطة الجملة السابقة, والتي وردت في كتاب خطط الشام الصادر منذ ما يقرب التسعين عاماً, إلا أننا نراها أفضل تعبير عن الاقتصاد السوري وأولوياته, ولعل الأزمة الحالية التي تمر بها سورية قد بينت بشكل واضح أهمية هذا الكلام, فالاقتصاد السوري هو بالدرجة الأولى زراعة وصناعة, فهما الركيزة الأساسية التي تحمل الاقتصاد ككل.

وعلى الرغم من التحسن الذي طرأ على حجم اقتصادنا الزراعي خلال العقود القليلة الماضية, إلا أنه لم يكن تحسناً مرسوماً ينقل هذا القطاع إلى مستويات إنتاجية جديدة, فالفلاح الذي هو اللبنة الأولى في هذا القطاع لم يكن يتم الالتفات إلى مشاكله التي يُعانيها بالشكل الأفضل, وهذا ما أدى إلى تراجع كبير طال عدد العاملين في القطاع ما بين عامي 2001-2010 بحوالي النصف, وهذا إذا دلّ على شئ إنما يدل على أن هناك خللاً ينبغي الالتفات إليه, فإذا كان الفلاح بخير فالاقتصاد بخير.

وبناءً على الكلام السابق نرى أن نضع خلال المرحلة القادمة نصب أعيننا هدف البناء على الزراعة والصناعات المرتبطة بها للتأسيس على اقتصاد حقيقي قوي يسير بخطى ثابتة, فقطاعات الإنتاج الحقيقي ثبت على مستوى العالم أنها شبكة أمان للاقتصاد خلال الأزمات, ومحرك قوي للنمو خلال فترات الاستقرار.

عند الحديث عن الزراعة والصناعات المرتبطة بها لا يمكن عدم التطرق إلى واقع الخدمات والبنى التحتية المتردي في الأرياف السورية, فلكي نتمكن من تأسيس قطاع زراعي متطور يجب أن نبدأ من الارتقاء بالبنى التحتية, وبالتالي يجب أن يتم التوسع خلال الفترة القادمة في الإنفاق على تطوير بنى تحتية تربط المناطق السورية ببعضها, والتخفيف من مشاكل التفاوت في مستوى البنى التحتية بين المناطق المختلفة, والذي سبب للاقتصاد والمجتمع اختلالات كبيرة, وساهم في التراجع الكبير الذي شهدته سورية في عدد العاملين الزراعين.

وفي ضوء التوجهات العامة السابقة يمكن وضع بعض الخطوط الرئيسية التالية التي ينبغي أخذها في الاعتبار خلال الفترة القادمة:

    على مستوى الاقتصاد الكلي:

-         البنى التحتية المتطورة والشاملة هي العامل الأول في الارتقاء بالاقتصاد والمجتمع, وبالتالي يجب أن يتم زيادة الإنفاق وتوجيهه نحو تأسيس شبكة بنى تحتية تشمل جميع الجغرافية السورية, ويتم من خلالها تجاوز مشاكل الاختلال التنموي القائمة.

-         الطاقة هي عصب الاقتصاد, وبالتالي يجب أن يتم التوسع في إنتاج الكهرباء, وتأمين الاستمرارية وعدم الإنقطاع, كما يجب تأمين الاستمرارية في عرض المشتقات النفطية, وكل ذلك بأسعار مدروسة من جهة تكاليف الإنتاج وإمكانية المنافسة, كما يجب الالتفات في الفترة القادمة بشكل أكبر إلى موضوع الطاقات المتجددة, فلسورية إمكانات كبيرة إن أمكنها استغلالها.

-         يحتاج الاقتصاد السوري لوضع خارطة استثمارية شاملة, تأخذ بالاعتبار إمكانات سورية قطاعياً وإقليمياً, مادياً وبشرياً, وكذلك توجهات الحكومة الاستراتيجية, يتم مراجعتها خلال فترات قد تصل إلى خمس سنوات, ومن خلال هذه الخارطة يتم تحفيز الاستثمارات وتوجيهها بالشكل المرغوب استراتيجياً من قبل الحكومة, فلا يمكن الإبقاء على الشكل الحالي من إعطاء الامتيازات المرتكز على الإعفاءات الضريبية الواسعة التي تُضيع على الحكومة مبالغ كبيرة قد يمكن توجيهها نحو تحسين البنى التحتية مستقبلاً, وبالتالي فاقتراحنا أن يتم تقديم حزم من المحفزات على أساس نوع المشروع, والإقليم الذي يوجد به, وحجم العمالة التي يُشغلها, وحجم إنتاجه وصادراته, وحجم إنفاقه على الأبحاث والتطوير, وغيره من المؤشرات الأخرى.

-         اقتصاد السوق الاجتماعي هو عنوان جميل للاقتصاد السوري, بشرط أن يتم استيفاء شروطه الاجتماعية, فالعدالة الاجتماعية أساس الاستقرار, والاستقرار أساس النمو والتنمية.

-         الزراعة والصناعات المرتبطة بها, هي المحرك الأول للنمو الاقتصادي.

-         الاقتصاد السوري هو اقتصاد قائم على عدد كبير من المنشآت الصغيرة والمتناهية في الصغر, وهذه ميزة إن أُحسن استغلالها, فهذه المنشآت تحتاج إلى دعم مالي وفني كبيرين.

-         الطبقة الوسطى هي عماد الاقتصاد والمجتمع السوريين ودعامته, وبالتالي يجب العمل على الارتقاء بها وتوسيعها, وهنا لا بد من التطرق إلى أهمية الارتقاء بمستوى التعليم والصحة للارتقاء بمستوى المجتمع ككل.

-         يحتاج تطبيق ما سبق لوجود موارد مالية كبيرة بيد الحكومة, وهذا يتطلب الارتقاء بإيرادات الحكومة من خلال محاربة جدية للفساد والقضاء على التهرب الضريبي.

 

   قطاع الزراعة:

-         قطاع الزراعة سيكون أسرع القطاعات تعافياً بعد الأزمة, وبالتالي يجب تأمين كافة مستلزمات تعافيه وإعادة إقلاعه, وعلى رأسها تأمين المشتقات النفطية اللازمة بأسعار مناسبة.

-         إن أحد أبرز مشاكل هذا القطاع تتمثل في تفتت الملكية, وهو ما يجب أن يتم الالتفات إليه مستقبلاً لوضع حلول مقبولة لهذه المشكلة.

-         تُعاني سورية من مشاكل متزايدة في توفر المياه, فإذا ما علمنا أن الزراعة وحدها تستهلك أكثر من 90% من المياه المستهلكة في سورية, فهذا كافٍ لتحفيز وضع خطة شاملة باتجاه التحول نحو وسائل الري الحديث.

 

    قطاع الصناعة:

-         تمتلك سورية قدرة كبيرة على إنتاج محاصيل متنوعة في آن معاً, وهذا لطالما أعطاها تاريخياً, ميزة كبيرة في مجال الصناعات الغذائية, وبالتالي يجب التركيز على قطاع الصناعات الغذائية, والارتقاء بها حجماً وجودة, لكي نتمكن من تصديرها إلى الأسواق المختلفة.

-         يجب وضع خطة متكاملة لتطوير زراعة الزيتون وصناعة زيت الزيتون وفتح الأسواق امام صادراتنا, وبخاصة أن دول كثيرة تضع الخطط للتوسع بالإنتاج, وهو ما يُنبئ باشتداد المنافسة في هذا السوق مستقبلاً.

-         إن صناعات الألبان والأجبان من الصناعات الهامة على مستوى سورية, وبالتالي يجب الارتقاء بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة الموجودة في هذا القطاع ودعمها, ورفع مستوى جودتها, وكذلك الأمر في مجال صناعة المفروشات التي تمتلك سورية مؤهلات بشرية للتوسع في هذه الصناعة وتصدير منتجات عالية المستوى فيها, إلا أن الشركات والورش الموجودة تحتاج دعماً مالياً وفنياً كبيراً حتى تتمكن من المنافسة, وبالتالي نقترح حمايتها ضمن خطة واضحة لفترة محددة حتى تتمكن من المنافسة, وهو ما ينطبق أيضاً على الصناعات النسيجية وصناعة الألبسة, بحيث يجب الاستفادة أكثر من القطن والصوف السوري, وتخفيض الهدر في تصديرها خام.

-         يجب تطوير صناعات للأعلاف, كذلك الأمر في مجال صناعة الأسمدة.

-         يجب وضع خطة وطنية للارتقاء بصناعة الأدوية, بحيث تتمكن من تلبية احتياجات السوق المحلية ومنافسة المنتجات الأجنبية.

-         صناعة البرمجيات من الصناعات الواعدة في سورية, وعليه نقترح إقامة مناطق صناعية متكاملة تلاءم هذا النوع من الصناعات.

 

    قطاع التجارة:

إن قطاع التجارة هو قطاع حيوي لسورية, تاريخياً اهتم الانسان السوري بالتجارة وجاب بقاع العالم, وإن لتجار \\\" الشام \\\" سمعة طيبة في أنحاء المعمورة, منذ قرون وحتى اليوم, وعليه لا بد من إعطاء هذا القطاع المتطلبات التي يحتاجها لكي ينشط ويصبح مسانداً لقطاعي الزراعة والصناعة في إيصال المنتجات السورية إلى مختلف دول العالم وأسواقها, ولعل من أهم متطلبات هذا القطاع هو البنى التحتية المتطورة, والتسهيل الإداري, والقضاء على الفساد والبيروقراطية, كما يرتبط موضوع تطوير هذا القطاع ارتباطاً وثيقاً بدور الدولة في الاقتصاد.

 

    دور الدولة في الاقتصاد:

إن موضوع دور الدولة في الاقتصاد هو موضوع هام جداً, حيث ينبغي العمل على توضيح دور الدولة في الاقتصاد السوري, لكي ترتفع ثقة المستثمر السوري أو الأجنبي على حد السواء, ولكي نرفع من تنافسية اقتصادنا, ويمكن القول أنه على الرغم من الانتشار العالمي الكبير لأفكار النيوليبرالية, وتنظير المؤسسات الدولية لها, إلا أننا يمكن أن نقول أن تطبيق أفكارها في سورية وغيرها من الدول النامية قد جلب الكوارث, هذا من جهة, ومن جهة أخرى, لابد من التأكيد على أهمية \\\" السوق \\\" في سورية, وعلى الدور التاريخي للقطاع الخاص, وإمكانياته الكبيرة, وبالتالي نرى أن دور الدولة في الاقتصاد يجب أن يقتصر على الدور الإداري التنظيمي الميسر لعمل الأسواق, وحماية حقوق الملكية وإنفاذ العقود, والحماية من الاحتكار, وحماية حقوق الأفراد, بالإضافة إلى الدور التقليدي للدول في حماية الحدود وبسط الأمن, ونرى أن على الدولة أن تبتعد عن مواقع الإنتاج (فالدولة من وجهة نظرنا مُنتج سئ, ومُسوِّق أسوأ), إلا أن هذا الكلام لا ينطبق على مواقع الإنتاج الاستراتيجية, كالإنتاج العسكري, ومواقع تقديم الخدمات الاستراتيجية التي نرى ضرورة دخول الدولة فيها لموقعها السيادي, كخدمات النقل السككي والجوي والبحري, والبريد, وإنتاج الطاقة الكهربائية وتوزيعها, وشبكات المياه.

 

    السياسات المالية والنقدية:

إن تحكم الدولة بالسياسات المالية والنقدية, وتحكمها برسم الاستراتيجيات العامة, يجب أن يمكنها من تحقيق القدر الأعلى من العدالة الاجتماعية, التي غابت عن سورية في الفترة الماضية, وإن تحقيق العدالة الاجتماعية له أهمية كبيرة في سورية القادمة, لما للعدالة الاجتماعية من دور كبير في تحقيق الاستقرار الاجتماعي وبما ينعكس على الاستقرار الاقتصادي, وبالتالي سينعكس هذا على تنمية مستدامة في سورية, وبالتالي لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة بدون عدالة اجتماعية.

 

 

    الإصلاح الإداري:

إن الإصلاح الإداري, ونشر مبادئ الشفافية, ومكافحة الفساد, يجب أن تكون أولى أولويات الدولة في الفترة القادمة, فلا يمكن بناء اقتصاد متطور, ودور فاعل للقطاع الخاص في الاقتصاد دون التخلص من العقبات التي كان يُسببها استشراء الفساد في الجهاز الحكومي الإداري, وفي أجهزة الدولة, كما أنه لا يمكن تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية التي يحتاجها القطاع الخاص لينمو وينمو معه الاقتصاد الوطني دون الفصل الحقيقي للسلطات الثلاث الموجودة ضمن أجهزة الدولة, كما أنه لا يمكن للقطاع الخاص العمل بكفاءة عالية دون دخوله كشريك حقيقي وفاعل في مناقشات السياسات والقرارات المتعلقة بالمناخ الاقتصادي, وهذا يتطلب ابتكار آليات ومؤسسات بديلة تحقق هذا الغرض بكفاءة.

 

قسم الدراسات